صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

126

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )

هو بها بالفعل يكون جوهرا موجودا فإن كان هو هذا الجوهر الذي كان قبل فهو حاصل موجود إلى وقت حصول الجوهر الثاني وإن كان جوهرا غير الذي منه وإليه فيكون قد فسد الجوهر الأول إلى الجوهر الوسط وتميز الجوهران والكلام فيه كالكلام في الجوهر الذي فرض الحركة فيه ولا يلزم مثل هذا في حركة الاستحالة لأن الهيولى محتاجة في قوامها إلى وجود صورة بالفعل والصورة إذا وجدت فيه حصلت نوعا بالفعل فوجب أن يكون الجوهر الذي بين الجوهرين أمرا بالفعل ليس بالفرض ولا كذلك الأعراض التي يتوهم بين كيفيتين فإنها مستغن عنها في قوام الموضوع بالفعل انتهى فأقول إن مبناه على الخلط بين الماهية والوجود فإن قوله إن كان هو هذا الجوهر الذي كان إلى آخره نقول إن هذه الحدود فرضية ثم إذا فرضنا حدين جوهرين نختار أن أحدهما عين الآخر بحسب الماهية وغيره بحسب نحو الوجود فإن الماهية الواحدة قد يكون لها أنحاء من الوجود بعضها أتم وأفضل من بعض فإن زيدا مثلا من لدن كونه جنينا إلى غاية كماله الإنساني له ماهية واحدة من غير اختلاف في حده المركب من معنى الحيوان والناطق لكن وجوده الإنساني قد استكمل واشتد فكان أولا إنسانا ناقص الوجود بل كان أولا ناقص الحيوانية ثم ترقى قليلا قليلا في الوجود وتدرج في مدارج الحيوانية ومعارج الإنسانية إلى إن بلغ الغاية وفي جميع هذه الأطوار لم يكن ماهيته إلا ماهية الإنسان ولا وجوده إلا وجود الإنسان فالماهية الواحدة تكون ذات تفاضل في الوجود وأيضا ما ذكره منقوض بالحركة في الكم وغيره فإن المادة كما تحتاج إلى صورة تحتاج إلى مقدار فإن قيل إن المادة الجسمية يكفيها مقدار ما وهو محفوظ باق في زمان الحركة وإنما وقعت الحركة في خصوصيات المقدار قلنا يجري مثله في باب الصورة فإن المادة يحتاج في تقومها إلى صورة ما لا بعينها فينتقل في الخصوصيات الصورية من غير محذور واعلم أن لنا في باب تجدد الجوهر واشتداده في الوجود خوضا عظيما قد أقمنا البراهين عليه في كتبنا ورسائلنا وعليه يبتني كثير من المقاصد العظيمة كأحوال المعاد وعلم الآخرة والأولى ودثور هذا العالم وزوالها لكن الأذهان قاصرة والطبائع أكثرها مئونة غسوقة والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور [ الفصل الثامن : في العلم وأنه عرض ] قوله فصل في العلم وأنه عرض إلى آخره أن من جملة الأجناس المندرجة تحت مقولة الكيف هي الكيفيات النفسانية من الشهوة والغضب والعلم والقدرة والإرادة والمحبة والكراهة والشجاعة والكرم والحلم والحياء والخوف وغير ذلك وقد بحث عنها وعن عرضيتها في مباحث النفس من الطبيعيات لكن في إثبات العرضية للعلم الذي هو من جملة الكيفيات النفسانية صعوبة شديدة فهذا الفصل معقود لبيانه قال وأما العلم فإنه فيه شبهة إلى آخره قد علمت أن للأشياء أي الماهيات وجودا في الخارج به يترتب عليه آثارها وأحكامها ووجودا في الذهن لا يترتب به عليها آثارها وأحكامها والعلم لنا بكل شيء عبارة عن حصول ماهياتها عند نفوسنا مجردة عن موادها الخارجية والعلم بكل ماهية يكون عين تلك الماهية وبكل مقولة يكون عين تلك المقولة فالعلم بالجوهر جوهر كما أن العلم بالأعراض أعراض وحينئذ يشكل كون العلم من الموجودات الخارجية والكيفيات النفسانية ولأجل صعوبة هذا الإشكال أنكر بعضهم الوجود الذهني للأشياء وجعل بعضهم كالإمام الرازي العلم مجرد الإضافة التي بين العالم والمعلوم وبعض أجلة المتأخرين أنكر كون العلم كيفية نفسانية بل جعله أمرا ذهنيا فقط من مقولة المعلومات وأن العلم بكل مقولة ليس شيئا سوى تلك المقولة من غير أن يكون له وجود في نفسه وجعل السيد السند والصدر الأمجد الصور العلمية الحصولية كلها من مقولة الكيف لا غير وجعل الشارح الجديد للتجريد العلم عرضا قائما بالنفس والمعلوم شيئا آخر مغايرا له حاصلا في الذهن غير قائم وكل هذه الآراء ظنون فاسدة وأوهام باطلة قد نقضناها وتفصينا عنها وأبطلناها في كتاب الأسفار فتقرير هذه الشبهة أن الحقائق الجوهرية بناء على أن الجوهر جنس وذاتي لها وقد تقرر انخفاظ الذاتيات في نحوي الوجود الخارجي والذهني كما تسوق إليه أدلة الوجود الذهني يجب أن يكون جوهرا أينما وجدت وغير حالة في موضع فكيف يجوز أن يكون الحقائق الجوهرية موجودة في الذهن وهو محل مستغن في وجوده عن الصور العلمية فالذي أجاب به الشيخ عنها هو أن ماهية الجواهر جواهر لأن معنى الجوهر الذي صيروه جنسا وجعلوه عنوانا للمقولة ليس هو الموجود من حيث هو موجود مسلوبا عنه الموضوع وإلا استحال عدم شيء من الجواهر استحالة ذاتية وكذا قولنا الموجود بالفعل